رئيس حزب الغد موسي مصطفي موسي

رئيس التحرير عبد النبي عبد الستار

مقالات

الباحث أسعد سليم يكتب : سيجموند فرويد ... أمير العقل الباطن!

الباحث أسعد سليم
الباحث أسعد سليم

إلى أى مدى يثق المرء بطهره ونقائه؟ وهل تُعبر حقاً أفعالنا التى نمارسها عن حقيقة نفوسنا الداخلية؟ تلك الأفكار الباطنية التى نخفيها، والأسرار التى نخشاها، الرغبات التى نكبتها، العالم غير المنظور الذى نقيمه برؤوسنا، الصراعات التى نعيشها مع ذواتنا، والمشاعر المختبئة بصدورنا، فمن لنا غيره يفسرها لنا؟ نعم إنه الطبيب النفسى الأشهر فى التاريخ، النمساوى "سيجموند فرويد"(1856 – 1939 م) ، مؤسس علم النفس التحليلى، ومبتكر الطرق العلاجية الفريدة لمداوة المرضى، عقل ليس كمثله عقل!
ترتكز نظرية التحليل النفسى عند فرويد حول التوتر واللذة، فالتوتر الذى يصيب الإنسان فى مراحل حياته المتعددة تعود أسبابه لزيادة الليبيدو (الطاقات والغرائز الجنسية)، واللذة هى تفريغ لتلك الطاقات، وقسّم فرويد حياة الفرد تقسيماً جنسياً إلى خمس مراحل:
المرحلة الفموية (الميلاد – 1 سنة)
ويمثل فيها الفم عند الأطفال المصدر الرئيسى للذة، فإشباع الليبيدو فى تلك المرحلة يتوقف على تذوق كل الأشياء بالفم، فإذا تم تجاوز تلك المرحلة بشكل صحيح، فسوف يكتسب الطفل بعض الصفات الإيجابية كالقراءة والمطالعة وحب العلم، إما إذا حدث خلل ما فى تلك المرحلة، فعلى الأغلب سيكتسب الطفل عادات مثل حب التدخين، قضم الأظافر، مص الأصابع، حب التقبيل، الإقبال على شرب الكحوليات، وقد تتطور المسألة فيصبح الشخص سادياً أو متهكماً.
المرحلة الشرجية (1 – 3 سنة)
تلك المرحلة التى يتدرب فيها الطفل على إخراج برازه فى المكان المخصص لذلك عن طريق مساعدة الأسرة، وتلك أولى اللحظات التى يشعر الطفل فيها بالأهمية، وكذلك بفكرة أنه يستطيع مضايقة الآخرين إذا قام بالتغوط فى المكان الخطأ، ويتعرف على بعض أحكام المجتمع المحيط الذى لابد أن يخضع لها، فإذا ما قامت الأسرة بواجبها فى تلك المرحلة بالمكافأة والتشجيع سيكتسب الطفل على الأرجح صفات مثل الإبداع والإنتاجية، أما إذا تساهلت الأسرة مع الطفل ولم ترغّبه بالتغوط فى المكان الصحيح فسيكتسب الطفل سمات الفوضوية والإسراف، وفى حالة التشدد والعصبية من جانب الأسرة فيشب الطفل على صفات مثل التعصب والبخل والجمود.
المرحلة القضيبية (3 – 6 سنوات)
وفيها يتعرف الطفل على أعضائه التناسلية ويفرق ما بين الأنثى والذكر، وهنا يذكر فرويد فكرتين تلقتا هجومين شديدين، وهما ( عقدة أوديب ) التى يشتهى فيها الطفل والدته، و( عقدة الكترا ) التى تشتهى الطفلة فيها أباها.

مرحلة الكمون (6 سنوات – حتى البلوغ)
فترة لا توجد فيها أى اهتمامات جنسية، ويتحول الليبيدو إلى طاقات استكشاف للأشياء المحيطة به، ومحاولة بناء الشخصية واكتساب الثقة.
المرحلة التناسلية (منذ البلوغ وحتى الموت)
تبدأ تلك المرحلة بالبلوغ ومحاولة إخراج الليبيدو بشكله الطبيعى مع الجنس الآخر، إلى أن تتحول الطاقة الجنسية الفردية إلى تعاون مشترك ترافقه المحبة والسعادة.
فإذا مر الشخص من كل تلك المراحل بشكل سوى فإنه على الأغلب سيصبح شخصية حنونة، متوازنة، محبة ومتعاونة مع الآخرين.
وجميعنا برأى فرويد يجد نفسه فى مواجهة المفروضات الأخلاقية للكبار وللمجتمع كله، فنقوم بإدخالها إلى باطننا، بحيث تصبح جزء منا، ونكّون بذلك ( الأنا المثالية )، يكون الضمير جزءاً منها، وتلك الأنا المثالية هى التى تقرع على رؤوسنا فى حالة وجود رغبات غير مقبولة أو قذرة.
والتربية فى الطفولة تصل بنا إلى الإحساس بالذنب تجاه كل ما له علاقة بالجنس أو بالأعضاء التناسلية، وهذا الإحساس بالذنب يبقى فى الأنا المثالية، ولذلك فمعظم الناس يعيشون صراعاً أبدياً بين الرغبة والإحساس بالذنب.
وينقسم الوعى عند فرويد لنوعين، الوعى الظاهر وهو الذى نمارسه بشكل طبيعى أمام الآخرين، والوعى الباطن أو اللاشعور الذى يُخزن بعقولنا الباطنة ولا نكشف عنه لأحد.
وفكرة فرويد الخالدة تتمثل فى أن تجاربنا وأفكارنا المرفوضة أخلاقياً ومجتمعياً تقوم الأنا المثالية بإزاحتها إلى طبقة اللاوعى، ويعيش المرء حياته كلها بصراع داخلى بين الوعى واللاوعى، فأفكارنا بطبقة اللاوعى تضغط وتشتهى أن تخرج لطبقة الوعى، لكن طبقة الوعى المتحفظة ترفض إخراجها للنور وتعيدها أدراجها، ويفترض فرويد أن صحة الإنسان النفسية والعصبية تتوقف على مدى توازنه ما بين وعيه ولاوعيه.
وإذا أقام الانسان جداراً عازلاً بين منطقة الوعى ومنطقة اللاوعى بحيث لا يكون بينهما حوار متبادل، سيكون ذلك نذير بعديد من الأمراض النفسية، والطريقة الشهيرة لإخراج اللاوعى عند فرويد هى الأحلام، كما ابتكر فرويد طريقة علاجه المعتمدة على التنقيب الأثرى بداخل النفس البشرية لاستخراج اللاوعى منها وبمواجهته تشفى النفس من أمراضها.
كان لفرويد تأثيراً كبيراً جداً على المدارس الأدبية والفنية، ومنها المدرسة السيريالية التى نشأت بناءاً على أفكار فرويد بتجاوز الرقابة التى يفرضها الوعى وترك المجال حراً لإخراج ما فى جعبة اللاوعى.
وهنا نتساءل: ما المانع أن نقرر يوماً عالمياً يصبح احتفالاً سنوياً لإخراج اللاوعى؟ وهل يجرؤ البعض منا على إخراجه؟ كم تمنيت لو أستطيع الآن أن أعرف ما يدور فى لاوعيك أنت يا عزيزى حول أفكارى تلك!


Notice: Undefined variable: SpeakolWDG9 in /home/elghad/public_html/io/ez/_w/___t.php on line 145