رئيس حزب الغد موسي مصطفي موسي

رئيس التحرير عبد النبي عبد الستار

مقالات

صبري الموجي يكتب : مُقدم مُتقاعد شعبان رشاد .. الحزمُ والمرح !

الكاتب صبرى الموجى
الكاتب صبرى الموجى

Deprecated: implode(): Passing glue string after array is deprecated. Swap the parameters in /home/elghad/public_html/io/ez/_w/___t.php on line 72

كثيرةٌ هي أعباءُ الحياة وضغوطها، وهو ما يفرضُ علي المرء أن يروح عن نفسه بين الحين والآخر؛ ليستعيد نشاطه، ويستأنف ممارسة مهامه .

من المحطات، التي اعتدتُ أن أولي شَطرها وجهي باعتبارها مُتنزها أو مشفي أُعالج فيه أسقامي، وأطرحُ علي عتباتها الكدر والهموم، حقلُ توأم طفولتي الأستاذ رشاد شعبان رشاد مدير إدارة التنسيق العام بمديرية التربية والتعليم بالقليوبية، والذي يُعدُ تجسيدا حقيقيا لمعني الإخوة والعطاء والظرف، الذي ورثه عن كلٍ أبيه وعمه، وشاركه في ذلك أخوه أستاذ محمد شعبان.

والحقيقة أن رشاد لم يكن في تلك الزيارات مقصودي علي الدوام بل كان والدُه هو المقصد الأسمي في زياراتي المتكررة لهم بالحقل، حيث السماء الصافية، التي تغطي بساطا من السندس الأخضر، والأفق الواسع.

ومُقدم الجيش مُتقاعد شعبان رشاد والد صديقي، رجلٌ جمع الأضداد، فرغم انتمائه لكتيبة الجندية حيث الانضباط والحزم، والصرامة والعزم، والنظام والإخلاص والصدق، وهو ما تلمسه في كل قراراته مع أهله وجيرانه، إلا أنه جمع إلي جانب ذلك ظرفا مُنقطع النظير، وخفةَ ظل تُجبرك علي الضحك حتي وإن كنت وافدا إليه من تشييع جنازة عزيزٍ عليك، فما إن تراه ويبادلُك أطراف الحديث حتي تفتر أسنانُك عن ابتسامة خفيفة، تنتهي بالقهقهة، والتصفيق بكفي اليدين .

في زيارة له وجدتُه مُستندا إلي جذع شجرة، وقد اتكأ بصدغه الأيمن علي كفه اليمني، وجلس كمن (كبّت عجينها)، تكسو وجهه علاماتُ الحزن، فسألته : (خير يا عم الحاج ؟ )، هكذا أناديه ويناديه أبناؤه وجيرانُه، فرد بصوت مُتحشرج : ليس لي حظٌ في الحمير، أصيبت الحمارةُ الجديدة بـ(دمل) في حافر رجلها الخلفية الأيمن، أعاق مسيرها، وأصابها بالعرج، فصار مشيُها (حَنجلة)، وأعلن الطبيب البيطري عجزَه عن علاجها، فأجبتُه ضاحكا : مثلُك لا يليق به إلا خيلٌ عربي أصيل، وليس حمارة عرجاء، انزوت علي مزودها يحطُ علي وجهها الذباب، فرد مستنكرا : (ماشي يا سيدي إيدي علي كتفك) !

والحق أن حزنه كان في محله؛ لأنها ثالثُ حمارة يشتريها ليحمل عليها متاعه، ويقضي بها مصالح الحقل .. الأولي كانت سوداء اللون، عمّرت معه عدة سنوات حتي أصابها الكبرُ، وصارت تمشي الهويني، دون أن يُفلحَ معها وخزٌ ولا ضرب، لسان حالها في الطريق : سأسير وفق هواي لا كما تريد، والنتيجة أن رحلة عودته من الحقل مساء، والتي لا تستغرق دقائق، كانت تقطعها في ساعة أو يزيد، وهو خلفها فوق (العربة الصاج) التي تجرها، يعض الأنامل من الغيظ.
ذات مساء أقسم الرجل أيمانا مُغلظة بألا يصحب تلك الحمارة في رحلة ثانية، فكان ما أراد، وجيء له بحمارة بيضاء، ضخمة الجسم، ظنها عفية فتية، ستقضي مصالح الحقل في سرعة (الرهوان) فإذا بها بليدة لئيمة، لا تجيد إلا تناول الطعام، كما لو كانت عجلا يُسمن، يصدق عليها المثل: (أكل ومرعي وقلة صنعة)، فصار موتُها أحبَ إليه من بقائها لبلادتها وبطئها، حتي انتفخ في بطنها عرقٌ، يحتاج إلي تدخل جراحي، فتركها حبيسة في حظيرة البيت، تنتظر الموت .

وذات يوم وعده تاجرُ (حمير) بأنه سيجلب له حمارة (مهرة)، تُنافس الخيول العربية، والحقيقة أن الرجل صدق، وجاء له بحمارة سوداء طويلة الظهر والأرجل، عفيَّة البدن، مُكتنزة الرقبة والمؤخرة، تقوي علي أعمال الحقل، فما إن تفك قيدها، حتي تنطلق تسابق الريح.

لم تقوَ شيخوخةُ الرجل علي فتوتها، إذ سقط من فوقها مرة، فأصدر فرمانا عسكريا، استعاد به أيام مجده بأن يصطفَ أمامها عند رغبة امتطائها عصبةٌ من الرجال لكبح جماحها، فكان ما أراد، حتي أصابها ما أصابها، وهو ما عكر مزاج الرجل، وأيقن بسببه أنه ليس له حظٌ في الحمير .

مُقدم متقاعد شعبان رشاد، سخاءٌ مُنقطعُ النظير، واجبٌ لا يعرف التراخي، فلا يحبسه عنه حرٌ ولا برد، خفةُ ظل تُنسي الهموم، أبوةٌ واحتواء، جعلت منه صديقا لأبنائه ولأصدقائهم، فصار حقله ناديا ثقافيا، يتهافتُ عليه الرواد ليأنسوا بحديث الرجل وطيب مجلسه !

حفظ الله الرجل، وبارك له في أهله وذريته .

الكاتب الصحفى صبرى الموجى صبرى الموجى الحزمُ والمرح بوابة الغد

Notice: Undefined variable: SpeakolWDG9 in /home/elghad/public_html/io/ez/_w/___t.php on line 145